Thursday 23rd October 2014,
مجلة أوكسجين | Oxygen Magazine
منوعات

بشير أبا زيد… بأنامله رسم الحرية

حجم الخط » + | -


رأي | نيرمين عبد الرؤوف

6177_474839955927112_129833956_n   في درعا البلد نطق الجدار معلناً سقوط أول جدران الخوف… “الشعب يريد إسقاط النظام”… عبارةٌ كان أول من خطّها ونطقها أطفال سوريا الذين كانوا شرارة الثورة. سبعة أولاد جمعتهم مقاعد الدراسة وشوارع مدينتهم درعا. في نهاية يوم دراسيّ وبعد أن أنهوا لعبة كرة قدم، جلسوا يثرثرون ويضحكون وهم يتابعون شاشة التلفزيون وهي تنقل تقارير ثورات الربيع العربي التي اندلعت. خطر لأحدهم كتابة بعض تلك الشعارات على جدران المدرسة، وهكذا انتظروا حتى يحلّ الظلام وانسلّوا إلى باحة مدرستهم ليكتبوا حوارهم الخاص مع النظام “يسقط بشار الأسد” و “ارحل”. بشير أبا زيد (15 عاماً حينها) كتب شعاره الشهير “إجاك الدور يا دكتور”، في تحدٍّ صارخٍ للرئيس بشار الأسد. قام بعد ذلك كلّ منهم بالتوقيع باسمه بعبارة “مع تحيات”، نايف أو معاوية أو عيسى، ثمّ توجّهوا متحمّسين إلى البيت وهم يضحكون، لم يكن ليخطر ببالهم أن تقليدهم لما سمعوه في تونس ومصر سينقلب إلى ثورةٍ هي الأكثر دموية من بين الثورات. كان ذلك في 24 / 2 / 11 على جدار مدرسة الأربعين. صباح اليوم التالي استدعى مدير المدرسة الأمن فوراً الذي استجوب عدّة تلاميذ كان من بينهم “نايف” وهو في الصف الثامن، بعد ضربه وتعذيبه اعترف على صديقه الأقرب “بشير أبا زيد”، وهو الفتى الأصغر والأذكى بين إخوته الأربع، و الوحيد من بينهم الذي واظب على دراسته ليحقّق حلمه في أن يكون مهندس حاسوب. توارى بشير عن الأنظار لمدة يومين، لكن والد نايف توسّل إليه أن يذهب إلى الشرطة التي وعدت بإطلاق سراح الولدين بعد أن يجيبوا على بعض الأسئلة.رفض أفراد عائلة بشير تسليمه، إلا أن الفتى شعر بالذنب والمسؤولية تجاه صديقه ولم يكن أمامه من خيار سوى أن يسلّم نفسه.على باب المركز سأله مجموعة من رجال الشرطة عمّا إذا كان مجنوناً، ولمّحوا له بالفرار. خلال دقائق اُقتيد الفتى بعد أن تمّ تعريته وتفتيشه إلى سرداب، حيث تعرّض هناك إلى صدمات كهربائية.
سرعان ما نقل بعدها إلى مقرّ الاستخبارات العسكرية في السويداء، حيث قضى هناك ستة أيام معصوب العينين ومكبّل اليدين. تلقى العديد من ضربات السياط والكابلات، خاصّة على يديه اللتين خطّ بهما شعاره المناهض لبشار، حتى تشققت يداه وسقطت أظفاره.
كان التعذيب عنيفاً، وتحت ضغط أسئلة المحققين انهار بشير وقام بتسليم أسماء عدد من رفاقه على أمل وقف معاناته، لكنهم لم يصدقّوا روايته مصرّين على أن وراء ذلك أناسٌ أكبر أو ربما جهاديون.1017288_474824015928706_1798203595_n
خلال ثلاثة أيام قام الأمن باعتقال 24 شخصاً على ذمة التحقيق، في حين نجا أربعة من الأولاد السبعة. تعرّض أولئك الأطفال للتعذيب والحرق والتنكيل، من قلع أظافر وإطفاء السجائر في أجسامهم إلى جانب الضرب بالهروات على الرأس والركب. وكان اعتقالهم سبباً لتفجّر الاحتجاجات في المدينة.بقي بشير مع صديقه نايف ستة أيام في معتقل الاستخبارت العسكرية، ولم يستطع بشير رؤية صديقه نايف لأنه كان معصوب العينين، إلا أنه كان يتحسّس أقدام زميله المتورمة المدماة.بعد توقيعهم على الاعترافات نُقل الولدان إلى فرع فلسطين حيث كانت الأمور أسوء، وتلقى بشير عدّة صفعات عنيفة من الضابط الذي سأله عن فحوى العبارة التي كتبها على الحائط.عندما أُزيلت العصابة أخيراً عن عيني الفتى شعر بالفرح لرؤيته صديقه نايف معه في الزنزانة.
اعتذر نايف من صديقه لأنه باح باسمه، فهوّن عليه وبكيا سوية ثم سُحبا مجدداً إلى حفلة تعذيب أخرى. في 18 / 3 / 11 ثار الأهالي مطالبين بعودة الأطفال، ردّ عليهم الأمن بالنار والرصاص فسقط شخصان وصعّد الأمن من العنف فكان أن امتدت الاحتجاجات والتهبت أكثر فأكثر أسبوعاً بعد أسبوع.بعد يومين من احتجاج درعا مُنح بشير ونايف عفواً من قبل النظام بمناسبة عيد الأم، وتمّ إطلاق سراحهما بعد 24 يوماً قضياها تحت التعذيب وظنّا أنهما لن يخرجا أحياء.بشير هو أحد أولئك الأطفال الذين غيّروا مسار تاريخ سوريا، لم يعد يرغب بأن يكون مهندساً كما كان يطمح، هو اليوم يريد أن يكون ضابطاً في الجيش ليحسن التعامل مع أي ثورة أخرى في المستقبل.هي ثورةٌ استلهم كبارها الشجاعة من صغارهم الذين انتقم منهم النظام بوحشية، أطفالُ سوريا الذين أعطوا للرجولة والكرامة عمراً جديداً.

ساهم بالنشر

رأيك يهمنا.. شارك بالنقاش

نرجو ممن يرغب بإضافة تعليق، صياغته بلغة لائقة بعيدة عن القدح والذم والتحريض المختلف أو المسّ بالكرامات.
إنّ التعليقات المنشورة لا تعبر بأي شكل من الأشكال عن رأي المجلة التي لا يتحمّل أي أعباء معنويّة أو ماديّة اطلاقًا من جرّائها.